السيد محمد حسين فضل الله
29
من وحي القرآن
بمستقبلها ، أو في ما يطّلعون عليه من خفايا الأمور في الآفاق الواسعة التي يتحركون فيها مما لم يطّلع عليه البشر ، ولكنهم واجهوا هذه الحقيقة - من خلال هذه التجربة الفريدة - فقد استمروا على العمل القاسي وهم يحسبون أن سليمان ينظر إليهم ويراقبهم ، وعرفوا أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ الذي كانوا يعيشون فيه القهر والمذلّة والهوان . وقد نحتاج إلى تسجيل ملاحظة حذرة على الروايات التي حدّدت المدّة التي مضت على جهلهم بوفاة سليمان الذي بقي - وهو ميت - متكئا على عصاه ، مفتوح العينين ، كما لو كان يراقبهم ، حتى جاءت الأرضة وأكلت عصاه ، فانكسرت فوقع ، وعرفوا بموته . فقد نلاحظ أن بقاء سليمان في هذا الوقت الطويل ، لا بد من أن يلفت أنظارهم وأنظار الآخرين لا سيما إذا لا حظنا استمراره في الليل والنهار ، مما لم يعهد ذلك منه ولا من غيره ، وعدم تناوله للأكل والشرب ، كما نلاحظ أن الأرضة لا تحتاج إلى هذا الوقت الطويل لتأكل عصاه ، فلا بد من أن يكون للمسألة وجه آخر « 1 » ، ووقت محدود ينسجم مع طبيعة الأشياء ، واللَّه العالم .
--> ( 1 ) ورد في بعض الروايات أنه قال لأهله - عندما أحسّ بدنوّ أجله - لا تخبروا الجن بموتي حتى يفرغوا من بنائه ودخل محرابه ، وقام متكئا على عصاه فمات وبقي قائما سنة ، وتم البناء ثم سلّط اللَّه على منسأته الأرضة حتى أكلتها ، فخر ميتا فعرف الجن بموته ، وكان يحسبونه حيا لما كانوا يشاهدونه من طول قيامه قبل ذلك .